السراج الاسنوى

اسلامي صوفي اوراد وادعييه واحزاب للصوفيه


    كتاب الفيوضات الربانية لسيدى أحمد بن ادريس كاملا للقراءة الفصل الاول : تفسير

    شاطر

    الامير شهيب

    عدد المساهمات : 9
    تاريخ التسجيل : 11/09/2010

    كتاب الفيوضات الربانية لسيدى أحمد بن ادريس كاملا للقراءة الفصل الاول : تفسير

    مُساهمة من طرف الامير شهيب في الأحد سبتمبر 12, 2010 5:19 am



    الفصل الاول:


    تفسير سورة الفاتحة

    قال شيخنا وقدوتنا صاحب العلم النفيس مولانا الشريف السيد أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه :

    بسم الله الرحمن الرحيم

    وصلى الله على مولانا محمد وعلى آله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله

    (الحمد لله رب العالمين)

    الاسم والمسمى شئ واحد لا يتميز عنه وهماً حقيقة واحدة ، ومن ثم قال الله عز وجل : (وهلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة) فأعاد الضمير على الأسماء والمعروضة المسميات ، لكونها عينها لا غيرها ، وإذا تجلى الحق لا ترى غيره ، فلا ترى هنا أسماء متميزة في ذاتها

    وكذلك الخلق فإن الرجل الكاتب والشاعر والخياط والشجاع والكريم والنجار ونحوه إذا أبصرته لا ترى إلا ذاته ، فلا ترى شيئاً من ذلك قائماً بذاته يبصر كما تبصر الألوان ، ولا تبصره لمجرد النظر إليه بذلك الاسم الذي هو الوصف إن لم تكن تبصره في الخارج ، ولا تبصره منه إلا بظهور الأثر فيه فإذا كتب علمت أنه كاتب ، وإذا قال الشعر علمت منه أن شاعر ، وإذا خاط علمت أنه خياط ، وإن قدم على المهالك ولم يخفف السيوف والرماح علمت أنه شجاع ، وإن أعطي علمت أنه كريم ، وإن نحر علمت أنه نجار . وهكذا

    إذن فالأسماء والذات حقيقة واحدة ، والمعنى أن الحمد برز باسم الله الذي هو مجمع جميع الأسماء من حيث الرحمن الرحيم ، وذلك أن الله سبحانه وتعالى حمد نفسه بنفسه عنا رحمة بنا لم علم أننا لا نقدر على القيام بحمده كما يليق بجلاله وكماله ، فقام خليفة عنا باسم الوكيل وإذا كان الوكيل قائما بنفسه رحمة بأحد يعلمه أنه لا يعرف أن يقوم بأمر نفسه ولا يدري ما يضره ولا ينفعه كان أبلغ في الاغتناء " أي الاستغناء " بخلاف ما إذا كان يحتاج إلى من يحثه على ذلك سواء كان الموكل أو غيره فإنه دليل على التقصير

    هذا وأصحاب المروءات من الخلق يكون الواحد منهم حركته في مكارم الاخلاق من نفسه وباعثه ، كما قيل في بعضهم

    أيا جود معن ناج معنا بحاجتى

    فليس إلى معن سواك سبيل

    فكيف بأكرم الأكرمين وأرحم الراحمين ؟ وأي سبب لنا حتى أوجدنا ؟ فليت شعري من الطالب له غيره ، فلو عقلنا مع الله في وجودنا كما كنا في عدمنا ، برحمته لنا عن أن نطلب الرحمة لنفوسنا ، وأنه أرحم بنا منا بأنفسنا ، وتوكلنا عليه كما هو الوكيل الذي وكل نفسه لنا قبل أن نكون ، ووكالته لنفسه لا يدخلها خلل ، بخلاف ما إذا كانت الوكالة منا فإنها حقيقة على قدرنا وإذا كان الإنسان يمرض فيأتي بطبيب فيسقه دواء كريها ويكون هو يحسن الظن به أنه ما مراده إلا العافية ، ويبسط له الفراش الطيب إكراماً ، ومع ذلك يعطيه أجره ولا يرى أن مراده أذاه ، فأرحم الراحمين أولى بذلك .

    وحقيقة التوكل وسنامه أن يتوكل عليه ليكفيه ولأنه أهل أن يتوكل عليه ، وأنه لا ينازع في ملكه وأعرف بالصالح منه ، وأنه أعلم بجلبه إليه ، ودرء المفاسد عنه ، ومن ثم قال الصديق رضي الله تعالى عنه حين قيل له : ألا ندعو لك طبيباً ؟ قال : الطبيب هو الذي أمرضني ، وهذا ليس من سوء الأدب كما زعم بعضهم ، بل من الفهم عن الله ؛ إذ معناه تمريضي هو عين الطب وهو كذلك ، فإذا كان يطهر بالمرض فيجعله سبباً للجمع به عز وجل فهو الطبيب الذي لا يغادر سقما

    إذا عرفت هذا علمت أن الوكيل يتكلم بلسان موكله فيقول : لي على هذا دين مثلاً ، ولي بذلك دين ، فينزل نفسه منزلة موكله ، ولا يحتاج إلى ذكر الموكل فإنه معلوم عند القاضي والخصم أنه وكيل

    وبهذا تعلم أن قول بعض المفسرين يقدر قول قبل (الحمد لله رب العالمين) من عدم فهم أن الحق قام باسم الوكيل عنا ، وهذه أسرار بدلية تلوح إن شاء الله لمن فهم عنها ، فهي أكبر النعم على الإطلاق إذ إيجاد العالم كله فرع عن توجهها عليه ، فهي أصل كل مخلوق وكلها منافع لنا في الدنيا والآخرة اللطفي منها والقهري ، أما اللطفي فظاهر ، وأما القهري فلأنه يكون أثره فينا عن الرحمة لنا كقول النبي r : " الحمى حظ كل مؤمن من النار ، وحمى يوم ، كفارة سنة ، ولا يصيب المؤمن من نصب ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلى رفعه الله بها درجة ، وحط عنه بها خطيئة المظلومون هم المفلحون يوم القيامة)

    وأيضاً قد يتوجه قهره على ما يؤذينا فإنه إذا لم يقهر الجوع عنا والعطش والخوف والهم والحزن ونحو ذلك باسمه القهار لا تذهب عنا ، فكل اسم من أسماء القهر ممحض للعذاب وأن أسماء الرحمة متمحضة للرحمة ، مع أن أسماء الرحمة أكثر من أسماء العذاب كما هو مشاهد حتى في المادة الواحدة تجد صيغ تلك أكثر من صيغ هذه

    فإن مادة القهر ليس فيها إلا القاهر القهار على صيغة فاعل وفعال ، ومادة الغفر فيها الغافر والغفور والغفار على صيغة فاعل وفعول وفعال

    فلتلك اسمان وهذه ثلاثة ، وما كان طائراً بثلاثة أجنحة يسبق ما كان طائرا بجناحين ، لأن الجميع قوى ، وكلها أسماء الله فهي مستوية في القوة ، فقاهر مقابله غافر ، وقهار يقابله غفار ، وبقي غفور معين لأخويه وليس من أسماء الله قهور ، ومن ثم قال الله عز وجل : (سبقت رحمتي غضبي)

    (الحمد لله) الألف واللام الداخلة على المبتدأ جنسية تفيد الحصر أي حصر المبتدأ في الخبر كقولهم : الكرم في العرب والشجاعة في قريش ، وفي ذلك تفصيل أشار له الأجهوري بقوله :

    بلام جنس عرفا منحصر

    في خبرية وفاقا يذكر

    فالمعنى حينئذ : أحمد الله بالله على معنى صدوره منه ، أي : لا حامد سواه لعجز الخلائق عن إتيانهم بالحمد على حقيقته ، فإنه لما عجز خلقه عن حمده حمد نفسه بنفسه نيابة منه عنهم ، فحمدنا وإن بلغ ما بلغ ليس بحمد في الحقيقة لقصوره وحصول النيابة عنه بحمد الله

    ثم النكتة التي يترتب عليها الحمد بقوله : رب العالمين أي موجد المخلوقات كلها ، ومدرجهم من طور إلى طور حتى يحصل الانتفاع بها كلها في جميع أطوارها لمن خلقت لأجله ، وهو النوع البشري في معنى المحمود عليه ، فإن جميع العالم مخلوق لنا قال تعالى (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه) إلى غير ذلك فكأن التالي يقول أحمد الله بحمده الذي حمد نفسه به ، النائب عما وجب على من الحمد ، الكائن في مقابلة نعمة التي من جملتها هذه العوالم كلها التي خلقت من أجلي ، فأشرفها أولو العلم من الملائكة والجن وغير ذلك ، وكذلك غلب العاقل على غيره فجئ بالجمع مذكرا عاقلاً ، وإلا فالمحمود عليه أولو العلم بمحض فضله وكرمه سبحانه وتعالى فقال بعد حمده

    (الرحمن الرحيم) أي : إيجاده لنا وإيجاده ما خلقه لأجلنا إنما هو بمحض رحمته وجوده ، وأتى بالإسمين في صفة المبالغة إشارة إلى أن ما صدر منه ليس هو تمام رحمته وجوده ، بل رحمته كثيرة ، وجوده غزير حتى إن ما علمتوه بالنسبة إلى ما جهلتموه شئ يسير لا نسبة له معها ، كنقرة عصفور من بحر أو أدنى من ذلك ، فدخل فيه جميع الأسماء

    ودخل في قوله (مالك يوم الدين) أسماء الجلال والجمال كلها بصدقه على البرزخ وما بعده الذي الدنيا بالنسبة إليه كالرحم إليها ، وهم بالنسبة ليوم القيامة كالرحم إلى الدنيا ، فهناك تتحقق مظاهر أسماء الله تحقيقاً لا يرتاب أحد فيه ، فيبدو سلطان القهر والغلبة على أتم وجه وأكمل حال من كل معاند وجاحد وملاحد ، وسلطان الرحمة والامتنان واللطف لمن آمن بالله ورسوله وسلك سبيله واقتفى أثره دقيقه وجليله (مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين)

    ثم إنه لما ذكر الحقيقة بالحمد ، ووصف بتلك الصفات العظام التي توجب إقبال العبد على ربه ، وتعينه بالخطاب الذي وجه كما تعين .

    قال (إياك نعبد وإياك نستعين) ليكون أدل على الغيبة إلى الشهود وكأن المعلوم صار عياناً ، والمعقول مشاهداً ، والغيبة حضوراً لتناول كلام على ما هو مبديه حال العارف من الذكر والفكر والتأمل في إنشائه ، والنظر في آياته ، والاستدلال بصنائعه على عظيم شأنه وباهر سلطانه ، ثم قضى بما هو منتهى أمره وهو أن يخوض لجة الوصول ويصير من أهل المشاهدة ، فيراه عيناً فيناجيه شفاها ، لملاحظة نفسه في حضرات القدس مشاهداً له الحاضر والأنيس واقفاً بين يديه ضارعاً إلي بالخضوع والالتجاء ، قارعاً باب المناجاة قائلاً يا من هذه شئونه ، وتحصل بالعبادة والاستغاثة على غاية الجمع والإقبال ونهاية التضرع والابتهال ، وهذا هو السر في اختصاص تكرارات الفاتحة في كل ركعة من جميع الصلوات التي هي عبارة عن مناجاة العبد مولاه لكونه يحكم على نفسه في كل ركعة بأنه لا يعبد على حق سواه ، ولا يستعان بمن عداه ، فمتى تعلق قلبه بشئ أو تخيل استعانة لمخلوق فقد نقض العهد الذي أبرم فإن تقديم المعمول يؤذن بالاختصاص ، أي لا نعبد إلا إياك ، ولا نستعين إلا بك ، فنرى كل مصل في الصلاة يعاهد ربه بذلك في كل صلاة ، ومقتضى ذلك من ذوي العقول عدم نقض المواثيق بعدم جميع المنهيات ، والامتثال لجميع ما يستطاع من الأمور المأمورات ، ولذا قال الله تعالى (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) لما اشتملت عليه من المواثيق والعهود المتجددة في كل يوم خمس مرات ، وكان عبد الحق الإشبيلي بالجزيرة من أجل علماء وقته ، فرأى النبي عليه الصلاة والسلام وأمره بأن يذهب لأبي مدين ويقرأ عليه سورة الفاتحة فقبل ، ثم لما انتبه تحير كيف يؤمر مثله بالذهاب لرجل لم يقرأ من القرآن إلا شيئاً يسيراً من سورة الملك إلى آخر القرآن ؟ أمثلي يذهب لذلك مع كموني أحفظه كله بجميع رواياته ومعرفة معانيه ؟! فقلت : إن كان له عمل فلنا بعض عمل ، وإن كان يقرأ الشئ اليسير فنحن نقرأ الكثير فما السبب ؟ فجاءه بعض تلاميذه فأخبره ، فقال : اذهب بنا إليه فما أمرك الرسول عليه الصلاة والسلام بذلك إلا لسر ، فجاء إليه فما دخلا عليه المجلس قال لهما : مرحباً بعبد الحق وصاحبه

    ثم قال يا عبد أدن مني وامتثل أمر الرسول عليه الصلاة والسلام فدنا فقرأ حتى " إياك ....... الخ " فقال له : فما بالك تذهب إلى الأمير وتترد عليه ! فجعل يعتذر فقال : لأجل هذا أمرك الرسول عليه الصلاة والسلام بقراءة الفاتحة علينا ، ثم رجع فلما وصل لمحله دخل خلوة واشتغل بالعبادة ، فسأل عنه الأمير فجعل الوشاة يطعنون عليه ويسبونه بأنه تكبر ونظر لعلمه واستنكف عن القدوم إلى الأمير ، وكان إذ ذاك شأن العلم أن يؤتي ولا يأتي فجاءه لخلوته بقصد زيارته بجميع أصحابه وجنده وجنده ، فإنه لما كان يستعين بغير الله أخدمه الله لغيره ، ولما رجع واستعان به أخدم الله له الامير وجنده

    ولما أكمل القاضي البيضاوي تفسيره وحمله للأمير على عادة العجم ، ولما كان في أثناء الطريق بالبادية رأى فقيراً صوفياً فاستضافه فأضافه الفقير وأحسن ضيافته ، ثم سأله عن سبب سفره فقال له : إني ألفت كتاباً في التفسير وأردت أن أرفعه للسلطان لأقتبس منه صلة ويحصل له القبول ، فقال الفقير : بم فسرت قوله تعالى : (إياك نعبد وإياك نستعين) ؟ فقال لا أعبد إلا إياك ولا استعين إلا بك ، فقال له الفقير : إن كنت لا تستعين إلا به فماذا تذهب للسلطان ؟ فاعتذر بأن له بنات وأراد تزوجهن فلم يجد ما يزوجهن به ، ثم سرت فيه موعظة الفقير فرجع ففرج الله عليه أمر بناته من حيث لا يحتسب ولا يدري ، ووقع الإقبال على تفسيره دون غيره من التفاسير مع كثرتها جدا

    (اهدنا الصراط المستقيم) الذي أنت عليه وذلك لقوله : (إن ربي على صراط مستقيم) ومعناه : خلقنا بأخلاقك . ثم لما كان لا طريق لمعرفة الله من طريق نفوسنا – فإن هذا العالم الذي هو نسخة من العالم الكبير خلقه الله على صورته كما في الحديث " من عرف نفسه عرف ربه " ، وقال تعالى (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) أمرنا بمعرفة الهداية بطريق معرفة النفوس ليحصل المقصود الاعظم والغاية القصوى ، والمراد بالصراط المستقيم : الطريق الموصل لمعرفة النفس على الحقيقة الموصلة لمعرفة الله ، وقد أبان ذلك صاحب النصوص في الفصل الأول على غاية التحقيق على ما أمر به الرسول عليه الصلاة والسلام

    احذروه فإنه غيور

    فلا تجعل في قلبك سواه

    ثم بين ذلك الصراط بأنه (صراط الذين أنعمت عليهم) بالمعرفة الحقيقية فمتى كان الغالب عليهم الاشتغال بك عشقوك وعشقتهم ، فجعلت لذتهم وجبلتهم على ذكرك ، فرفعت الحجاب فيما بينك وبينهم ، وفي جمالك نزهتهم في حزب من تقربوا إليك بالنوافل ، فكنت أسماعهم وأبصارهم وأيديهم وأرجلهم وألسنتهم وأفئدتهم ، فكنت إياهم وكانوا إياك من غير اتحاد ولا حلول ، ولا كان العبد ربا ولا كان الرب عبدا على حالة يعلمها من أذقتها إياه من النبيين والصديقين

    (غير المغضوب عليهم) كمن كان يعبد غيره بمحبته وتغيير قلبه واستعان به إذا اتكل عليه وهو على مراتب . فمنه غضب وسخط وطرد كغضبه على اليهود ومن نحا نحوهم على ما قص الله في حقهم ، وغضب تأديب ومنه ما وقع لعامة الناس من الحدود والزواجر عنها ، ومنه غضب غيرة ومنه ما يقع لأوليائه ، فإنه يبحث الرب قلب عبده المؤمن فمتى حل فيه غيره غضب لشدة غيرته على قلوبهم أن يعمرها غيره أو تعلقت بسواه ، وقد كان بعض العلماء فر بنفسه ولزم مغارة ولا أنيس بها ليتجرد عما سواه فجعل الناس يذهبون لمحله ذلك ويرصدونه عساهم يرونه فإذا رأى الناس فر وتوارى عنهم ، فرصده بعض أصحابه حتى رآه ففر منه فقال : لا غرض لي في شئ بسوى أن أسمع منك كلمة تعظني بها فقال له احذره فإنه غيور فلا تجعل في قلبك سواه ، ولهذا أمر الله الخليل بذبح ولده إسماعيل ، لأنه جاءه على الكبر ففرح به ، ومال إليه بقلبه بعض الميل ، ومال إليه إسماعيل كذلك ، فغار الحق عليهما فأمره بذبحه

    فلما امتثل لجميع ما أمر به ، وحصل تفريق قلب كل من صاحبه فداه الله تعالى من الذبح أي : بالكبش ، ولذا أيضاً فعل بيوسف ما فعل على يد إخوته ، لأنه لما تعلق قلب أبيه به لما تفرسه من النور النبوي ولما مال يوسف لأبيه ابتلى بالرمي في الجب

    ثم لما لم يبق له سوى التعلق بالحق أوحى إليه لمجرد الإلقاء فقال : (وأوحينا إليه) إلى آخر الآية فجاءته النبوة عندما خلص قلبه من جميع ما سوى الله ، وخلص قلب أبيه كذلك ، فقال : (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله)

    ثم قال تعالى : (ولا الضالين) عن طريق معرفة نفوسهم فلم يعرفوا ربهم ، إما عن طريق الدليل والبرهان كمعرفة النصارى وجعلهم الله ثالث ثلاثة ، أو شهود عيان كمعرفة عامة الناس ، لضلالتهم عن هذه المرتبة ، لعدم معرفة طريق نفوسهم التي هي السبيل لمعرفة الله بشهادة الرسول عليه الصلاة والسلام وكلام الله تعالى في غير ما موضع فيه ، وأما من أيده الله فوفقه لذلك السبيل فنال المنى وأزال عنه العناء وقليل ما هم

    بسم الله الرحمن الرحيم

    وبه نستعين

    (ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) قوله : ألم . هو ونحوه من أوائل السور – كقوله تعالى حم عسق ، ص ، ق ، ن إلى آخر السور – ما بعده إلى تمام السورة بعض تفسيره ، وله من التفسير فوق ذلك ، فإيراد (ذلك الكتاب) .... السورة بعده من إيراد الخاص بعد العام

    قوله (ذلك) الإشارة إلى الغيب المدسوس في قوله (ألم) و(الكتاب) سماه كتاباً لأن كل حرف فيه بقية الحروف فالحرف الواحد رسول واحد ، والرسول الواحد عين الرسل كلهم ، قال تعالى : (كذبت قوم نوح المرسلين) فجمعهم ثم فسر الجمع بقوله : (إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون) فسمى نوحاً بالمرسلين ، وهكذا (كذبت عاد المرسلين إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون) فسمى بالمرسلين ، فجعل الرسول الواحد الرسل كلهم ، فكذلك الحرف الواحد هو الكتاب كله ، فمن كفر بحرف كفر

    ومن قال من المفسرين – كالجلال رحمه الله تعالى – عن أوائل السور الله أعلم بمراده بذلك فقد أجاد وأصاب لقول الله تعالى : (ولا تقف ما ليس لك به علم)

    وإنما قال : (ذلك الكتاب) ولم يقل القرآن ، لأن الكتاب و الوجوب (كتب ربكم على نفسه الرحمة) والقرآن هو الجمع ، فالكتاب فيه فائدة

    والدليل على أن التالي للقرآن يثاب ولو لم يعلم المعنى أوائل السور ، قال r : (من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات لا أقول ألم حرف ، ولكن ألف حرف ، ولام حرف ، وميم حرف) ولكن لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون

    واعلم أن التالي نائب عن الله تعالى ، فهو يتكلم بكلام الله ، فلذلك لا ينسب الكلام إليه فيقال بكل لسان

    وقوله تعالى : (لا ريب فيه) أي للمتقين فحذفه من الأول لدلالة الثاني عليه ، والريب أخص من الشك ، لأنه يشك مع ارتياب قال تعالى : (وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب)

    وقوله تعالى (هدى للمتقين) أي بياناً لهم ليفوزوا فهم المقصودون بالانتفاع

    وأما قوله تعالى : (هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) فالمراد به يظهر الحق كالشمس فلا يبقى لأحد حجة ، وليس ذلك خاصا بالمتقين بحيث تقوم الحجة التامة عليهم

    وقوله تعالى : (للمتقين) تنازعه كل من (لا ريب فيه) و(هدى) وإنما كان المتقون لا يرتابون لأن إيمانهم به إلهي ، غذ التقوى توجب محبة الله تعالى ، ومن أحبه كان سمعه وبصره ويده ورجله وفؤاده ... الخ . كما يليق بجلاله ، فإيمانه هو إيمان الله بنفسه فلا يقبل الريب فما هو من عند نفسه بل هو من عند الله ، وتقريبه وحاصلة أن إيمانهم لدني

    والتقوى : القيام بما أمر الله به لله ، واجتناب ما نهى عنه له

    الغيب

    كل ما غاب عنا

    (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) . (الغيب) القلب لأنه غائب في الصدر ، قال رسول الله r : (التقوى ها هنا) وأشار بيده إلى قلبه ، فمحل إيمانهم القلب لا اللسان ، فيكون المعنى : للمتقين الذين يتقون بقلوبهم تقوى خالصة عن الرياء والسمعة ، لا بظواهرهم فقط كما هو شأن الخالي ، ولا إسلام فقط كما هو شأن ذوي النفاق . فافهم

    (والغيب) كل ما غاب ، فالحق غيب عند أكثر الخلق مع أنه معهم ولكن لما كانوا غائبين عنه كان غيبا بالنسبة إليهم ، فأطلق عليهم غيب ، فهم يؤمنون به على الغيب ، كما يؤمنون بسائر المغيبات ، والمعنى يؤمنون بما غاب عنهم ، وأخبرهم الشرع به لقلوبهم إيماناً ربانياً حقيا

    فالغيب : أي كان الحق سمعهم وبصرهم فقام فيهم الإيمان الذوقي من كينونة الله لهم وهكذا

    وإيمانهم غيبي إلهي وغيبي قلبي بكل ما أخبروا به في الشرع من المغيبات ، فقوله : الغيب شامل لذلك كله ، ومثله في كون الغيب الله والقلب (الذين يخشون ربهم بالغيب) ةأي يخشون الله بالله (لطيفة) من كان من الناس صاحب شهود يدخل أيضاً فيما ذكرنا ، لأنه وإن كان آمن بالحق على عيان فمن وراء ما شهد غيب لا نهاية له

    قال الخضر عليه السلام هو من أكابر المقربين لموسى عليه السلام ، وهو من أكابر الرسل عليهم الصلاة والسلام : (ما علمي وعلمك من علم الله إلا مقدار ما أخذه الطائر بمنقاره من البحر) أي من العلم الشهودي

    وقوله (ويقيمون الصلاة) على حد ما كان يصليها رسول الله r من التطويل فيها والخشوع بإفراغ الوسع فيها ظاهراً وباطنا

    وقوله (ومما رزقناهم ينفقون) المراد به الزكادة ، فلذلك حيثما ذكر الحق الإنفاق لا يذكر الزكاة ، والزكاة حيث أطلقت لا تختص بالمال بل المراد بها طهارة البدن من قاذورة المعاصي . قال الله تعالى : (قد افلح من زكاها) (قد أفلح من تزكى) فيشمل الغنى والفقير ومن زكى النفس فلا شك أنه لا يبخل بالمال ، ومن أعظم الإنفاق إنفاق العلم النافع الذي به تكتسب السعادة الكبرى ، والمراد يؤتون الزكاة حقها ، وضدهم الذين يبخلون بأنفسهم في الله ، كما قيل شعراً

    ومن لم يجد في حب نعم بنفسه

    ولو جاد بالدنيا إليه انتهى البخل

    فالنفس هي الأصل المتقدم (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم) وأتى بمن التبعيضية ليدل على أنه إذا أنفق البعض في طاعة الله ، وترك البعض ، واستراح بعض الأحيان فقد أنفق ما أمر به ، وأشار على أنه على كل حال لا ينفق إلا البعض ، فإن قيل الشهيد الذي يقتل في سبيل الله قد أنفق كله . فالجواب أنه لم ينفق الكل ثم بذلها فما أنفق إلا البعض . فالعباد ليسوا مأمورين بإنفاق الكل إذ ليس في وسعهم أ هـ

    (والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون)

    هؤلاء دون السابقين في المرتبة أي لم يفرقوا بين الكتب والرسل ، فليست خاصة بأهل الكتاب ، بل حتى فينا معشر الأمة الإسلامية فإنه كتب علينا الإيمان بسائر الكتب والرسل ، إذ ذلك في كتابنا

    (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون)

    وشهد الله لنا (من الرسول بما أنزل إليه من ربه) إلى (وإليك المصير) وما أخرنا الله عن الأمم كلهم إلا لنحوز أخبار الرسل كلها ونؤمن بها فيتضاعف لنا الثواب بلا حد . وأما من كان من أهل الكتاب وآمن برسولنا فيؤتي الأجر مرتين فقط

    (فأتينا الذين آمنوا منهم أجرهم) أي : آمنوا من قوم عيسى عليه السلام بسيدنا محمد r ثم قال لهم : (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته) وهو الأجر مرتان ، ثم قال : (لئلا يعلم أهل الكتاب) أي إخوانهم الكفار منهم (ألا يقدرون على شئ من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم)

    وهذا متعلق بقوله (آتينا الذين آمنوا منهم أجرهم) أي آتينا الذين آمنوا منهم أجرهم ليلبس على الكثير الفاسقين وهم المراد بأهل الكتاب هنا ، فأراد الحق بإعطاء المؤمنين الأجر ليبينهم على الذين لم يؤمنوا وليعلموا أنهم لا يقدرون على شئ من فضل الله ، مع أن الواقع كذلك فتوفرت فيهم داعية الضلال لتحق عليهم الكلمة لعلمهم شقاوتهم وأنهم أهلها الحقيقيون بها فهم من القبضة التي قال فيها هؤلاء ولا أبالي للنار (لا يسأل عما يفعل) فالعدو جزاؤه أن يعمى عليه الطريق (وللبسنا عليهم ما يلبسون)

    وقوله (وبالآخرة هم يوقنون)

    ذكروا هنا بعد أن ذكر (يؤمنون بالغيب) من ذكر الخاص بعد العام

    (أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون) أي على بصيرة من أمرهم ، وإنما قال على هدى ليدل أنهم دون السابقين في الرتبة أي فهم على الهدى غير ضالين

    فالأولون أهل كمال الإيمان وهؤلاء أهل مطلق الإيمان والفلاح هو الفوز بالله

    (إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) بعد أن ذكر المؤمنين ذكر الكفار ، وقوله : (إن الذين كفروا) أي : في علمنا ، فإن قيل إذا كانوا لا يؤمنون فما فائدة الإنذار

    فالجواب أن الإنذار لإقامة الحجة عليهم (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل)

    (ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين)

    (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى)

    ولا حجة لهم في قولهم : لو شاء الله ما أشركنا به وما عبدنا من دونه من شئ ولا يحتج به ، لأنهم لم يقولوه بالله بأن كان الحق سمعهم وبصرهم فلا يشهدون فاعلاً غيره ، وإنما قالوا من عند أنفسهم ليجادلوا به الحق عنهم . فهي كلمة حق أريد بها باطل ، إذ القدر لا يؤمر به ولا يحتج به (قل إن الله لا يأمر بالفحشاء) فزكوا به أنفسهم والتزكية لا تجوز بالحق ، فكيف بالباطل ؟!

    نعم ... من زكاه الحق بأن كان لسانه الذي يتكلم به فهو ناقل عن الله تزكية الله له ، لا يزكي لنفسه بنفسه ، قال r : " أنا سيد ولد آدم ولا فخر "

    كأنه قيل ولم لا يؤمنون ؟ قال الحق سبحانه وتعالى : (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم)

    الختم على القلب سده حتى لا يدخل فيه خير ، كما تسد أفواه الأواني حتى لا يخرج منها ما فيها ولا يدخل غيره ، فالختم أبلغ من الربط ، لأنه ينحل بأدنى سبب ، بخلاف الختم يصير بعض الأخيار كأنه من جنس الإناء حتى يتخيل أن لا فم لذلك الإناء ، وذلك من الإتقان ولا أتقن من الله ، فلا يفتح ما ختمه ولا ما ربطه حتى يفتحه هو بنفسه أو يحله ، وليس المراد أن قلوبهم لا تعي أصلاً ، وآذانهم لا تسمع أصلاً ، وعيونهم لا تبصر أصلاً ، إذ لو كانوا كذلك لعذروا بل المراد ألا يدخل الخير عليهم أصلاً ، ويبقى الشر مكانه في قلوبهم ولا يخرج ، لعدم وصول ما جاءت به الرسل إليهم (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) أي في أمتها ، والغشاوة للبصر كالختم لغيره ، وقال الله أيضاً فيهم : (وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا) وكما قال الله تعالى فوجدوا أنفسهم (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب) وقوله (ولهم عذاب عظيم) هو الحجاب عن ربهم ضد الفلاح (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)

    تنبيه : القرآن بحر محيط لا ينحصر في معنى واحد قال رسول الله r " (القرآن ذو وجوه كثيرة فاحملوه على أحسن وجوهه) ومن جاء إلى البحر لا يأخذ قطرة ويقول هو البحر كله

    قال أبو الدرداء – وهو من عظماء الصحابة - : لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يعلم للقرآن وجوهاً كثيرة ، ويعلم أيزداد هو أم ينقص ؟ ويعلم نزغات الشيطان أنى تأتيه ، (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) فما دام القلب واقفاً مع الله لا تأتيه نزغات الشيطان فإذا مال إليه قليلاً التقدم ( من الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) . أي وما هم بمؤمنين بقلوبهم ، فقولهم (آمنا) تقيه يحرزون بها أنفسهم وأموالهم فتقى أموالهم ودماءهم ، لعدم الإطلاع على قلوبهم ، وهكذا آمن رسول الله r وآله وسلم قتيل أسامة الصحابي وذلك أنه قتل في الجهاد رجلا بعد أن قال (لا إله إلا الله) فذكر ذلك الرسول r وآله وسلم فغضب الرسول r غضباً ما غضب مثله ، وقال له : أقتلته بعد ما قالها ؟ قال : نعم ، فقال له : وكيف بـ (لا إله إلا الله ؟!) فقال له : إنما قالها تقية : فقال له الرسول r : هلا شققت عن قلبه ؟ وقال رجل من الصحابة يا رسول الله أرأيت إن قطع يدي فأهويت لأقتله فقالها ؟ فقال له : إن قتلته صرت مثله قبل أن يقولها ، وصار مثلك قبل أن ثقلته – يعني هو مات مسلماً وأنت عشت كافراً – فلا دليل على المنافقين في الظاهر حتى يقتلوا ، والحال أن الرسول r كان يعرفهم في نفسه ، وقد عرفه الله بهم بعد أن قال له : (لا تعلمهم نحن نعلمهم) فقال له تعالى : (فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول) وقوله : (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين) ولا يجاهد من لا يعرفه ، وجهاد المنافقين بالقرآن (وجاهدهم به جهاداً كبيراً)

    (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون) أي يتقون بقولهم آمنا بطش رسول الله والمؤمنين ، فمخادعة الله هي مخادعة رسوله إذ هو مظهره ، وخداعهم خداع لأنفسهم في نفس الأمر ، فمن فعل خيراً فلنفسه فعله ، ومن أساء إلى أحد أساء إلى نفسه (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها) فمن قطع يد شخص أو رجله أو فقأ عينيه أو قتله فعل ذلك لنفسه ، فإن يده تقطع به ورجله وتفقأ عينه ويقتل ، وكأنه هو القاطع يد نفسه ورجله والفاقئ عينه والقاتل لنفسه هكذا فلا يفعل إلا حسناً ويجتهد في الإحسان ما استطاع بإفراغ وسعه فيه من جميع الوجوه ، ومن علم أن ما يعمله من سوء له يتباعد عن الشر غاية التباعد ، فقد أبلغ الحق لنا البيان لئلا يكون خيراً إلا ونأتيه ولا شر إلا ونجتنبه

    وقوله (وما يشعرون) أي ولا يحسون بذلك ، أي فضلاً عن أن يعلموه فهو أبلغ من نفي العلم ، (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون) المرض هو النفاق المانع لقلوبهم من قيام الإيمان بها ، إذ المرض ينافي الصحة

    وقوله (فزادهم الله مرضاً) متعلق بقوله (ومن الناس) (ومنهم الذين يؤذون النبي) (ومنهم من عاهد الله) (ومنهم من يلمزك في الصدقات) فهم يتوجعون لذلك ويتألمون غاية الألم بذكر صفاتهم ، ولا يزالون يرتقبون الفضيحة فكلما أنزلت آية يخافون أن تصرح بأسمائهم وبما في قلوبهم

    والمرض أيضاً يطلق على الزنا كما يطلق على ضد العافية ، قال تعالى (فيطمع الذي في قلبه مرض) أي زنا ، ولو لم يكن منافقاً ، وإن المرأة إذا خضعت بالقول طمع فيها من يريد الزنا بها

    (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون)

    الفساد في الأرض بإيقاع المعاصي فيها ، وهم لم يخلقوا إلا للطاعة (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) ففي الأرض أبلغ من التعبير على الأرض ، لأن (على) تقتضي السريان في جميع أجزائها بخلاف (في) . فالمعصية تمحق بركة الأرض والسماء ، فكلما عمل عليها دست من بركتها التي هي الأرزاق المودعة فيها من منذ قتل قابيل هابيل ، كل ذلك من شرر المعصية (وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل) . فعل المعاصي يمنع المطر أن ينزل من السماء حتى يهلك بسببه الحرث والنسل ، وبه يحصل الفساد في الأرض كما ذكرنا ، والمراد بالأرض الأرض التي م عليها ، لا كل الأرض ، فالفساد في موضع هو الفساد في الأرض كلها ، قال تعالى : (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض) أي الأرض التي عليها عمل ذلك الفساد ، لا جميع الأرض ، وإلا لكان حين قوله (أو يقتلوا) والمناهي التي إذا ارتكبت يقع بها الفساد معلومة مفصلة كما في قوله تعالى (ولا تقربوا الزنا)(ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) إذا (قالوا إنما نحن مصلحون) يدعون الشفعاء عند الله ، فقالوا عن الأصنام (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله) لأنهم بنات الله

    والإنسان إذا أراد حاجة من عظيم توسل في قضائها إليه بمن هو قريب عنده فنحن مصلحون باتخاذنا الأصنام

    ولا يعلمون أن تعيين الصلاح والفساد لا يعلم إلا من الشرع لا من العقل وقوله (ألا إنهم هم المفسدون) في قولهم (هؤلاء شفعاؤنا عند الله) هو الفساد ، ومن الفساد الحكم بغير ما شرع الله من السياسات ، والقياس بالرأي فيما يفعله من ينتسبون إلى العلم ، ويجعلونه شرعاً مع أنه من عند أنفسهم بلا شك ، ولا يردون الحكم إلى الله وإلى رسوله r كما قال الله تعالى (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله) وبما أمر الله ردوا الأمر إليه وإلى الرسول r

    ألا وقد علم أن الحكم مبين في كتابه وفي سنة رسوله r ، إذ الرسول r وآله وسلم مبين لكتاب الله تعالى فما وجد من الأحكام في الكتاب وجد ، وما لم يوجد فيه أحال به على الرسول r (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)

    فرسول الله r مكلف بالبيان من الله تعالى ، ولا شك أنه وفى – أي أدى – بما كلف به في البيان ، فما من أمر من الأمور إلا وله حكم في كتاب الله تعالى أو في سنة رسوله r ، علم ذلك من علم وجهل من جهل ، والله يقول (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) فما بقي نقص ، فلا معنى للقياس فقد قال رسول الله r : (تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة ، وستفترق هذه الأمة على اثنتين وسبعين فرقة أخطرها على الدين قوم يقيسون الدين برأيهم فيحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله) رواه الترمذي على شرط الصحيح ، ورجاله رجال ثقات

    وقال رسول الله r (الحلال ما أحل الله في كتاب ، والحرام ما حرم الله في كتابه ، وما سكت عنه عفا عنه فاقبلوا من الله عافيته) وحاصله : من أحدث حكماً فقد أحدث ربوبيته (إن الحكم إلا لله) فلوا طلبوا الأحكام الشرعية لوجدوها ولكن يميلون إلى الهوى ويعبدونه ، ورسول الله r يقول (ما تحت أديم السماء من إله يعبد من دون الله أعظم من هوى يتبع)

    وقوله : (ولكن لا يشعرون)

    لا يقال إذا كانوا لا يشعرون فهم معدومون لأن الرسول المكلف بالبان قد بين لهم ، وبعد البيان لا عذر (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل)

    (سأل رسول الله r الصحابة : ما تقولون إذا سألكم الله عني ؟ قالوا نقول إنه بلغنا ونصحنا أو كما قالوا

    فرفع يده اليمين إلى السماء وأشار بسبابته إلى فوق ثم نكث بها إلى الأرض وهو يقول اشهد من فوق ومن تحت (وهو الله في السماوات وفي الأرض) والمراد أينما كنت فاشهد)

    وكونهم لا يشعرون بأنهم مفسدون من الضلال البعيد ، إذ لو شعروا لزاماً رجعوا وقد يقع للبعض الشعور والعلم بذلك ولا يرجعون بل يجحدون الحق : (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا) فقوله (ظلما وعلوا) راجع إلى قوله (وجحدوا بها) لا إلى (واستيقنتها) وحاصلة أنهم فريقان : فريق لا يشعرون ، وفريق يعلمون ، وليس فيهم من العلم إلا إقامة الحجة عليهم ، وأما الذين يشعرون بأنهم ليسوا على الحق فلا خير إلا فيمن عرف الحق وانقاد له

    قال الشاذلي رضي الله تعالى عنه :

    (من عرف الحق وتواضع لأهله فهو من أهل الجنة وإن عمل ما عمل من الشر ، ومن أنكر الحق ولم يتواضع لأهله فهو من أهل النار وإن عمل ما عمل من الخير)

    كان عندنا بفاس رجل من أرباب الدولة حاكم وهناك شجر الزيتون كثير جداً غوبا غوبا ، فإذا أخذ أربابه ثمره دخله الفقراء فالتقطوا ما يجدونه من البقايا التي فيه ليتمتعوا بها ، فجعل الحاكم بعض عسكره يؤذونهم بأخذ ما التقطوه ، فمررنا ذات يوم بهم فإذا هم يأخذون من الفقراء ما عندهم ، فقلنا ما هذا ؟ فقال لنا بعض الإخوان : هؤلاء العساكر يأخذون من الفقراء ما يلتقطونه بأمر الحاكم ، فبعث واحداً من الإخوان ، وقلت له : قل له يقول لك واحد – ولا تسمني له – اترك هذا للفقراء والله يعوضك أحسن منه ، فراح إليه وبلغه ذلك فقال له : إن إرباب البساتين هم الذين اشتكوا منهم ، ولكن لما قلت لي إذاً لك مرحباً أنا أتركهم من أجله ، وأصحاب البساتين ما شاءوا يصنعون ، والحال أنه تدخل عليه من أجل ذلك منافع آلاف

    فتركها كل ذلك من حسن العقيدة ثم بعد مدة دعا الحاكم ذلك الرجل من إخواننا الذي أرسلته إليه فقال له : بلغ رسالتي كما بلغتني الرسالة فقال له : مرحباً وقال له : قل له مقصوده أن السلطان يوليه على البرية الفلانية من البراري وفيها منافع كثيرة

    فجاء وبلغني ذلك فقلت له مرحباً ، فبعد أيام ولاه السلطان بغير تسبب منه ولا شئ ، فهو وأمثاله ينالون باعتقادهم في أهل الحق مطالب كثيرة وينجون بهم من شرور كثيرة دنيوية وأخروية ، (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون)

    قال (الناس) ولم يقل (العقلاء) رتبة عظيمة شريفة لا يماثلها شئ ، لذلك أطلقت على بني آدم ، قال تعالى (أفيضوا من حيث أفاض الناس) والمراد بالناس الصحابة والنبي r أورد عليه أن إيمان النبي r لا يقدر أحد أن يأتي بمثله فما التشبيه ؟

    والجواب أن المراد الإيمان الذي ذكره النبي r في قوله (بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ....) وهو الذي علمه جبريل للصحابة حين جاء في صورة المتعلم الإسلام والإيمان والإحسان ، وأما إيمان النبي r فليس للرسل عليهم السلام إليه سبيل فضلاً عن غيرهم ، فالرسل يعجزون فضلاً عن غيرهم عن اللحوق به r ، فإيمانه وأحواله اختصاص من الله تعالى ، له النبوة وآدم منجدل في طينته ، فلا يعرف أحد حقيقة الرسول على ما هو عليه كما قال r (وأنه لا يعرف حقيقتي غير ربي)

    كنا مع بعض الأولياء رضي الله تعالى عنهم الذين يجتمعون بالنبي r فتكلم معي في مشاهدته r فقلت : مشاهدة الرسول r هذه التي يشهدها الأولياء أراها كمنزلة الظل من الشخص فالظل بالنسبة إلى الشخص كلا شئ

    قال أويس القرني رضي الله تعالى عنه للصحابة وفيهم سيدنا على وسيدنا عمر رضي الله تعالى الله عنهما : هل رأيتم محمداً r ؟ قالوا : ألسنا أصحابه قال : إنما رأيتموه كالسيف في غمده

    وهم كذلك رأوه كالسيف في غمده (وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون) فالنظر لا يقتضي الإبصار ، فأنت ترى الصبي ولا تبصر زيادته التي يزيد بها مع أنه في زيادة بلا شك من جميع الجهات طولا وعرضا ، ولكن لما كانت الزيادة لطيفة كانت لا تبصر فإذا غبت عنه مدة ثم حضرت عنده وجدته كبيراً فحينئذ تبصر الزيادة

    وكذلك إنبات النبات اللين لا تبصر زيادته مع أنه في زيادة بلا شك ، وبعض النباتات في ليلة واحدة إذا فارقتها ثم رجعت إليها وجدتها زادت كثيراً

    تنبيه : هذا دليل صريح في وجوب التقليد يرد على المتكلمين القول بعدم التقليد مع أنهم هم في الحقيقة مقلدون ليس في يديهم غير التقليد فإنهم يقررون أقوال من قبلهم في التوحيد وقواعده

    وما زادوا في تقريرها إلا أن تحفظ عنهم ويقتدي فيها وهذا هو التقليد فهم ينفون التقليد بالتقليد فيغسلون الدم بالدم وغسل النجاسة بالنجاسة لا يزيدها إلا انتشاراً وتأكيداً فهم مقلدون وهم لا يشعرون

    وقوله تعالى (أنؤمن كما آمن السفهاء) تجلت لهم سفاهتم في غيرهم فهم يشهدون وصفهم يحسبون أنه وصف غيرهم

    قال بعض الصوفية : لصفاء إخواننا رأووا وجوههم فينا

    ومثلهم كمثل الراكب السفينة بجانب الساحل هي تجري به وهو يرى البر هو الذي يجرى ، فجريه و يراه في غيره ، فرآه معكوساً وهو يعلم يقينا أن البر لا يجري ولا تجرى الأشجار التي فيه وإنما تجري السفينة

    والسفيه هو الذي لا يحسن التصرف ، والسفيه هو الجاهل ، (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) أي جهلها فلذلك جهل ربه فرغب عن سبيله ، ومن عرف نفسه فقد عرف ربه

    وقوله تعالى (ألا أنهم هم السفهاء) تبيين من الله تعالى لحقيقة الحال بأنهم إنما انعكس عليهم الأمر فرأوا الضلال الذي فيهم في غيرهم

    وقوله (هم) تأكيد أي لا غيرهم ، وقوله تعالى (ولكن لا يعلمون) نوع لأنهم نوعان ، نوع لا يشعرون بشئ ونوع يشعرون شعوراً لا يبلغهم إلى العلم وهم المرتابون فلم يكتف بـ(لا يشعرون) لذلك

    (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا أمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون)

    عبر بـ(لقوا) في (الذين آمنوا) عن (خلوا) بم للقيم في الملأ وفي المنافقين (وإذا خلوا) إلى أنهم لا يظهرون بذلك في الملأ تقية بل في الخلوة

    وقوله تعالى (إلى شيطانيهم) عبر بـ(إلى) لأنهم يمشون إليهم بالقصد وسماهم شياطين والشيطان البعيد ، قتلوا العرب ناقة شيطانية إذا كانت لا تألف الإبل ، وإضافتهم إليهم لأنهم من جنسهم إذ المراد شياطين الإنس

    وقوله تعالى (إنا معكم) أي بقلوبهم والمعول على القلب ، وقوله تعالى (قالوا آمنا) أي بلسانهم

    وقوله تعالى : (هذه النار التي كنتم أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون اصلوها فاصبروا أو لا تبصروا سواء عليكم)

    (ذق إنك أنت العزيز الكريم) وقوله تعالى : (ويمدهم في طغيانهم يعمهون) لأن مراد الله فيهم الضلال

    (سؤال) من أيقن بقلبه ولم يقر بلسانه هل ينفعه ذلك ؟

    والجواب : لا ينفعه ذلك لقول الله تعالى (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعدوا) فـ( ظلماً وعلواً) راجع لقوله (وجحدوا بها) فمن لم يجهر بالتوحيد بأن صدق بقلبه أن هذا الدين حق وكفر بلسانه فأبى الإسلام لا يقبل عند الله ، وذلك كقول أبي طالب :

    ولقد علمت بأن دين محمد * من خير أديان البرية دينا

    قال تعالى (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين) حالاً ولا مالاً لعلم الله فيهم ذلك وهو رد على ما تدعيه أنفسهم من أنهم مهتدون

    ثم قال (مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون)

    الضمير في (مثلهم) عائد إلى (ومن الناس) بواسطة عوده إلى (الذين اشتروا) أي صفتهم كصفة الذي استوقد ناراً ، فالكاف تشبيه وليست بزائدة ، فالمثل يأتي بمعنى الصفة كقوله تعالى (ولله المثل الأعلى) أي الصفة العليا ويأتي بمعنى التمثيل ، كقوله تعالى (واضرب لهم مثلاً) (ولما ضرب ابن مريم مثلا)

    والضرب الفرض والتقدير وقوله (الذي استوقد نارا) لم يقل الذين بصيغة الجمع لأن المنافقين يتداخلون في بعضهم فهم ذات واحدة (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض) ، وإنما المؤمنون قال فيهم (بعضهم أولياء بعض) والولي الناصر فلا يرى خيراً إلا ويجلبه لوليه ولا شراً إلا ويدفعه فالمؤمن كثير بأخيه .

    وقوله (استوقد نارا) السين والتاء للطلب أي عالج اتقادها وذلك كقوله تعالى (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا)

    منهم : يعرفونه في منامه ، أو الآيات في قوله (ومن الناس) في أهل الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم حتى إنهم يعرفون يوم مولده ومماته r

    كان سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه – يخدم واحداً من أحبارهم

    فلما قرب زمن الوفاة قال له : إني قد خدمتك كذا عاماً ولي عليك حق فأوصني من أصحب بعدك ؟ فقال له اصحب فلاناً وأشار عليه بحبر فجاء إليه فخدمه كذلك فلما قربت منه الوفاة قال له إني خدمتك كذا عاماً ولي عليك حق فأوصني من أصحب بعدك ؟ فقال له بعد هذا حكم كتابنا باطل (يخرج نبي آخر الزمان بمكة ويهاجر إلى المكينة فأتبعه) فلما بعث رسول الله r جاء فصحبه وهو الذي أدى عنه رسول الله r كتابته لما قال له مالكه لا أعتقك أو تغرس نخلا حتى يثمر وتؤدي من ثمره فجاء فأخبر رسول الله r فقال له قل له خيراً وجاء مع الرسول r فغرس بيده الشريفة فأثمرت من عامها فجاء رسول r فوجدها مثمرة كلها إلا واحدة فقال ما بال هذه ؟

    فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه : هذه غرستها أنا يا رسول الله فأخذها بيده الشريفة وحركها يميناً وشمالاً وتركها فلحقت بأخواتها – في البخاري أن المغروس ورد وفي غيره نخل وهو أبلغ في المعجزة فكان رسول الله r يبله بريقه الشريف ويدفنه فأثمر من عامه

    ولما توفي رسول الله r كان بعض الصحابة عند واحد من علماء أهل الكتاب فقال له : اليوم توفي نبيكم قال : فغضبت غضباً شديداً ما غضبت مثله حتى لو كان بيدي سلاح لقتلته فمكثت أياماً فإذا برسول أبي بكر الصديق يأتي بكتابه مخبراً أن رسول الله r قد اشتاق إلى لقاء ربه فقدم عليه ، فاستخلف الناس من بعده أبا بكر رضي الله عنه . فكانت وفاته في ذلك اليوم الذي ذكره الكتابي

    وقوله (ناراً) ليستضئ بها وقوله (فلما أضاءت ما حوله) ذلك ظهور النبي r في مكة لأهل الكتاب في المدينة ومكة حول المدينة كما أن المدينة حول مكة (لتنذر أم القرى ومن حولها) وقوله (أضاءت) أبلغ من أنارت لأن الضياء هو الذي يكشف عن حقائقها فلذلك قال الله تعالى (جعل الشمس ضياء والقمر نورا) إذ هو أضعف من الضياء لكونه (فمحونا آية الليل) وأنها ضياء نور لأن الضياء نور وزيادة فهي ضوء ونور

    وقد قال الله تعالى في الرسول r (سراجاً منيراً) والسراج هو الشمس أي شمساً منيرة وقوله تعالى (ذهب الله بنورهم) أي نور إيمانهم الذي كانوا يبصرون به النور الإلهي الذي في التوراة ، وهو ثبوت صفته r ، وكل ما في التوراة نور لأنه كلام الله ، وكلامه نور إذ هو صفته (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور) وجمع الضمير ولم يقل بنوره لئلا يتوهم عود الضمير على الله وهو إذا ذهب نوره لأحد لا يذهب منه ولا يسلبه إياه : إذ نوره هو وهو لا يتصرف في نفسه ، فالذين لم يهتدوا لم يجعل لهم نوراً من أصله حتى يأخذه منهم فنور الله لا يهدى لكافر وقوله (في ظلمات...) إذ الكفر بالرسول والكفر بجميع الرسل أو الرسل كلهم وبالملائكة والكتاب واليوم الآخر فكيف بسيدهم محمد r ، فالكفر بواحد ظلمة ، فهي ظلمات بعضها فوق بعض ، وعبر ـ(في) لأنهم غارقون فيها لم يخرجوا منها وتركهم فيها

    ولما كانت الظلمة متفاوتة : خفيفة وهي التي يكون معها بعض إبصار ، وحالكة لا يمكن الإبصار فيها . أكد الظلمات فقال (لا يبصرون) أي لشدتها لا يبصرون ، وليس مستغنى عنه بما قبله ، (صم بكم عمي فهم لا يرجعون) صم عن سماع صفات النبي r بعد ظهوره مع أنهم كانوا قبل ذلك يستمعونها . فهو (النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوارة والإنجيل) . وقوله (بكم) لا ينطقون بها ، وقوله (عمي) فلا يبصرونها كما كانوا يطالعونها قبل ، وقوله (فلهم لا يرجعون) إلى الأوصاف النبوية التي شردوا عنها وهي العلم الصحيح فهو أبلغ من (لا يعقلون)

    استشكل بأن بعضهم كابن سلام . وأجيب بأنه من المعينين من الله بلا يرجعون فأرجعه وإن كان الكلام عاماً فالمقصود به معلوم (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) المعينون بالذات بالهداية فتخصهم وحدهم وإن شمل الخطاب غيرهم فيفهمهم الله وغيرهم يصرفه بالشبهات (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين) فالجاهل مراد الله منه ألا يعلم وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون

    فإن قيل ما فائدة ضربها لهم في أنهم لا ينتفعون بها فالجواب أنها لإقامة الحجة عليهم ، ومعنى أنهم يعلمونها أي بالتخلق بها ؟ والتحقق وهي رجوع إلى قوله (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا) فبيت العنكبوت لا يقيها من حر ولا برد ، وهو ضعيف جداً إذا جاءته أدنى ريح ذهبت به ، فالأصنام كذلك

    فالعالمون الذين فهموا عن الله ذلك وعملوا بمقتضاه فلم يتخذوا من دون الله أنداداً ، فمن اعتمد على غير الله من مال وعمل وعلم وحرفة فقد اتخذ من دون الله أنداداً ، قال إبراهيم عليه السلام (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) أصنام الخلق أراد ، وهي خطرات غير الله ، وكل مقام له أصنام ، وحاشا أن يخطر في قلب الخليل غير الله ، وإنما هو اتهام نفسي وفرض تقديري والمفروض ليس واقعاً في نفس الامر فلا إشكال

    رأى بعض الأولياء في عصرنا هذا نبي الله سيدنا يوسف عليه السلام فقال له : حكى الله عنك في كتابه أنك قلت للرسول (ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن) ولم تستعجل بالخروج من السجن مع أمك لبثت في السجن بضع سنين ، ونبينا r قال : لو كنت مكان يوسف لأجبت الداعي . أي ولم أصبر ، فقال له إن بين الواقع والفرض كما بين السماء والأرض

    ومعناه أنه يقول إن الرسول r لم يقع له ذلك بالفعل فإن الناس كلهم يعتقدون براءته فلم

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء نوفمبر 21, 2017 3:32 pm